Members' Area Search Site Map Contact Us Index

إن الفكر التقليدي السائد في العديد من الأوساط التجارية الدولية وحتى على مستويات التخطيط الحكومي الشامل يربط مفهوم التنافسية بسعر صرف تفضيلي أو ميزان تجاري إيجابي أو صناعة مدعومة أو حتى معدل تضخم متدني.  إلا أن التنافسية بمفهومها الحديث ترتبط بإرادة الدولة الساعية إلى رفع إنتاجية الموارد المتاحة سواء كانت موارد بشرية أو مادية.

 

 ففي حين تقتضي الميزة النسبية، في اقتحام الأسواق الدولية، الاعتماد على الدعم والحماية المقدمان من قبل الحكومة، وعلى الاتفاقيات والبروتوكولات التجارية الموقعة مع أطراف خارجية، وعلى استخدام عوامل إنتاج متدنية الجودة لخفض الكلفة (جانب العرض)، وبالتالي إنتاج سلع منافسة من حيث السعر إلا أنها غير قادرة على الصمود والمنافسة من حيث الجودة في الأسواق العالمية والمحلية ،  فإن الميزة التنافسية من شأنها التركيز على تلبية حاجة المستهلك (جانب الطلب) من حيث النوعية والجودة وبالتالي استخدام عوامل إنتاج متطورة ومدربة على الرغم من أثرها في زيادة الكلفة على المدى القصير، إلا أنها في الوقت ذاته تساعد الصناعات على اقتحام الأسواق المتطورة والغنية.

 

ويختلف مفهوم التنافسية باختلاف محل الحديث فيما إذا كان عن شركة،  أو قطاع،  أو دولة.  فالتنافسية على صعيد منشأة تسعى إلى كسب حصة في السوق الدولي، تختلف عن التنافسية لقطاع متمثل بمجموعة من الشركات العاملة في صناعة معينة، وهاتان بدورهما تختلفان عن تنافسية دولة تسعى لتحقيق معدل مرتفع ومستدام لدخل الفرد فيها.

 

حيث يمكن تعريف التنافسية على صعيد المنشأة بأنها القدرة على تزويد المستهلك بمنتجات وخدمات بشكل أكثر كفاءة وفعالية من المنافسين الآخرين في السوق الدولية، مما يعني نجاحاً مستمراً لهذه الشركة على الصعيد العالمي في ظل غياب الدعم والحماية من قبل الحكومة، ويتم ذلك من خلال رفع إنتاجية عوامل الإنتاج الموظفة في العملية الإنتاجية (العمل ورأس المال والتكنولوجيا). ويُعد تلبية حاجات الطلب المحلي المتطور (والمعتمد على الجودة) خطوة أساسية في تحقيق القدرة على تلبية الطلب العالمي والمنافسة دولياً.

 

ويمكن قياس تنافسية الشركة من خلال عدة مؤشرات أهمها، الربحية ومعدلات نموها عبر فترة من الزمن، إضافة إلى استراتيجية الشركة واتجاهها لتلبية الطلب في السوق الخارجي من خلال التصدير أو عمليات التزويد الخارجي، وبالتالي قدرة الشركة على تحقيق حصة أكبر من السوق الإقليمي والعالمي.

 

ولا يُعتبر نجاح تنافسية إحدى الشركات العاملة في دولة ما مقياساً على القدرة التنافسية للدولة. حيث يمكن أن يُعزى نجاح شركة واحدة إلى عوامل استثنائية لا تسهل محاكاتها في الشركات الأخرى أو على صعيد القطاع أو الدولة.  ولهذا كان لا بد من التركيز على قدرة وتنافسية صناعة معينة وكافة النشاطات المتعلقة والمرتبطة بها، حيث أن نجاح مجموعة من الشركات المكملة لبعضها البعض في تحقيق ميزة تنافسية، دليل على وجود عوامل قوة في الصناعة ككل.

 

وعند الحديث عن قطاع صناعي ما، فإنه من المهم تحديده بشكل دقيق، (كأن يقال صناعة الدوائر المتكاملة أو أشباه المُوصِلات بدلاً من صناعة الإلكترونيات) ذلك أن المجالات المختلفة في صناعة الإلكترونيات على سبيل المثال قد لا تكون متشابهة في ظروف الإنتاج.

 

أما فيما يتعلق بالتنافسية على هذا الصعيد فهي تعني قدرة شركات قطاع صناعي معيّن في دولة ما على تحقيق نجاح مستمر في الأسواق الدولية، دون الاعتماد على الدعم والحماية الحكومية وبالتالي تميّز تلك الدولة في هذه الصناعة. وتقاس تنافسية صناعة معينة من خلال الربحية الكلية للقطاع، وميزانه التجاري، ومحصلة الاستثمار الأجنبي المباشر الداخل والخارج، إضافة إلى مقاييس متعلقة بالكلفة والجودة للمنتجات على مستوى الصناعة.

 

وتعرف تنافسية الدولة ككل، بقدرة البلد على تحقيق معدل مرتفع ومستمر لمستوى دخل أفرادها، ففي حين 'تقتضي الميزة النسبية المنافسة على أجور منخفضة، فإن الميزة التنافسية تقتضي تحسين الإنتاجية للمنافسة في نشاطات اقتصادية ذات أجور مرتفعة'، الأمر الذي يضمن تحقيق معدل نمو مرتفع ومستمر لدخل الفرد.

 

وبما أن الميزة التنافسية لبلد ما تقاس بقدرته على تحقيق معدل مرتفع ومستمر لمستوى المعيشة لأفراده، فإن أهم المحددات التي تؤثر في هذه القدرة هي معدل الصادرات ومستوى تدفق الاستثمار الأجنبي، لما لهما من أثر كبير في رفع معدل الدخل الفردي إذا ما تم توجيههما إلى قطاعات ذات قيمة مضافة عالية. فمن الملاحظ أن الدول التي تستمر في اعتمادها على إنتاج سلع ذات قيمة مضافة متدنية كمكون أساسي لصادراتها، هي الدول صاحبة أدنى معدل معيشة للفرد، ذلك أن من شأن الاعتماد على مثل هذا النوع من الإنتاج الاعتماد على الأجور المتدنية لتدني المستوى المطلوب للعاملين فيه.  كما أن مثل هذه الدول والتي تعتقد بأنها تسير في الطريق إلى الرخاء هي في الحقيقة تدخل في حلقة مفرغة، بسبب ضغطها الدائم والمستمر على الأجور بهدف تخفيض كلفة الإنتاج ومواكبة التذبذبات في الأسعار العالمية للمواد الخام، الأمر الذي يترتب عليه صعوبة تحسين الإنتاجية، وبالتالي الابتعاد عن مستويات الإنتاجية المقبولة للعمالة، وفي النهاية انخفاض أجورهم تبعاً لذلك، وهكذا تستمر الدولة في الدوران في حلقة مفرغة.

 

وعلى العكس من ذلك، فإن الدول التي تعتمد في صادراتها على السلع المصنعة ذات القيمة المضافة العالية وبهامش ربح مرتفع، يكون دخل أفرادها مرتفعاً كنتيجة لارتفاع المستوى المطلوب للعاملين في هذه الصناعات وإنتاجيتهم، وبالتالي فهي تدخل في حلقة منتجة تؤدي في نهاية الأمر إلى الرخاء والازدهار، حيث ترتفع الأجور مع ارتفاع الإنتاجية وتميزها.

 

ويذكر أن العلاقة ما بين التنافسية على الصّعد الثلاثة المذكورة سابقاً، المنشأة، والقطاع، والدولة هي علاقة تكاملية، بحيث أن أحدها يؤدي إلى الآخر، فلا يمكن الوصول إلى قطاع أو صناعة تنافسية دون وجود شركات ذات قدرة تنافسية قادرة على قيادة القطاع لاكتساب مقدرة تنافسية على الصعيد الدولي، وبالتالي للوصول إلى مستوى معيشة أفضل على صعيد الدولة.  إلا أن وجود منشأة أو صناعة ذات قدرة تنافسية لا يؤدي إلى امتلاك الدولة لهذه الميزة حكما، وفي المقابل فإن تحقيق الدولة لمعدل مرتفع ومستمر لدخل الفرد يعد دليلاً على أن النشاطات الاقتصادية المختلفة تمتلك في مجملها ميزة تؤهلها للمنافسة على الصعيد الدولي.